جوسلين صعب (1975-2019) اشتغلت بالصحافة والتغطية الحربية والإخراج الوثائقي والروائي والتصوير الفوتوغرافي والفن البصري والنشاط الثقافي.
وُلدت عام 1948 ونشأت في بيروت. في عام 1973، أصبحت مراسلة حربية في الشرق الأوسط، تغطي حرب أكتوبر لقناة تلفزيونية فرنسية. وفي عام 1975، أخرجت أول أفلامها الوثائقية الطويلة “لبنان في الاضطراب”، الذي عُرض في دور السينما بباريس ووزّعه باسكال دومان. ثم واصلت تغطية الحرب الأهلية اللبنانية خمسة عشر عاماً، أخرجت خلالها ما يقارب ثلاثين فيلماً، من بينها “بيروت لن تعود أبداً” المبث على فرانس 2 عام 1976، و”رسالة من بيروت” و”بيروت مدينتي” المبثان على فرانس 3 بين عامَي 1978 و1982. وفي عام 1977، صُوِّر “مصر، مدينة الأموات” و”الصحراء ليست للبيع” وعُرضا في دور السينما بباريس. وفي عام 1981، في الأيام التالية للثورة الإيرانية، صوّرت “إيران، اليوتوبيا في حركة” الذي نال جوائز دولية عدة. وفي عام 1998، توجّهت إلى فيتنام وأخرجت “سيدة سايغون” الذي مُنح لقب أفضل وثائقي فرنسي من مجلس الشيوخ الفرنسي، وبُثّ على فرانس 2 وفي مهرجانات دولية كثيرة.
في غضون أقل من ثلاثين عاماً، أخرجت جوسلين صعب ثلاثين فيلماً وثائقياً نالت جوائز في مهرجانات أوروبية ودولية. غير أن فيلموغرافيتها لا تقتصر على الوثائقي: ففي عام 1981، أتيحت لها أول فرصة للتوجّه نحو الروائي مساعدةً للمخرج فولكر شلوندورف في فيلمه “دائرة الخداع” المصوَّر في بيروت إبان الحرب. وفي عام 1985، أخرجت أول أفلامها الروائية الطويلة “حياة معلّقة”، المختار في أسبوع المخرجين بمهرجان كان العام ذاته والمعروض في ثلاث دور سينما بباريس. وفي عام 1993، أهدت دوكيوفيكشن لذكرى المئوية السينمائية بعنوان “كان يا ما كان، بيروت: حكاية نجمة”، المؤلَّف في معظمه من صور أرشيفية ومقاطع من أفلام قديمة تدور في بيروت قبل الحرب الأهلية، وبُثّ على قناة آرتي.
في عام 2005، أثار فيلمها “دنيا” المصوَّر في مصر وإنتاج كاترين دوسار، الذي يتخذ من اللذة موضوعاً محورياً، فضيحة أفضت إلى صدور حكم بإعدامها من قِبل متطرفين مصريين. بيد أن الفيلم لقي إشادة في مهرجانات دولية عديدة وكان ضمن الأفلام الروائية المتنافسة في مهرجان صندانس بالولايات المتحدة. وبعد خمس سنوات، غدا “دنيا” فيلماً أسطورياً في العالم العربي. في عام 2007، انعطفت جوسلين صعب نحو الفن المعاصر وأقامت أول تجهيز فيديو لها على اثنين وعشرين شاشة في المتحف الوطني بسنغافورة، وهو نظرة استعادية شاملة لأعمالها عن الحرب بعنوان “ألعاب غريبة وجسور”. وبعد وقت قصير، عرضت أولى صورها الفوتوغرافية في معرض أبوظبي عام 2007، تبعتها معارض في آرت-باريس وفي صالات عرض في أبوظبي وبيروت عام 2008.
في عام 2009، أتمّت فيلماً روائياً جديداً “ما الذي يجري؟”، مصوَّراً في مدينة مولدها، تتساءل فيه عن إمكانية انبعاث بيروت ومسار الإبداع في عمقه. وفي عام 2013، درّست في معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية (إيساف) في بيروت، حيث أخرجت مع طلابها فيلماً طويلاً حول الشخصية الكاريزمية هنري بركات. وفي العام ذاته، أخرجت ستة أفلام حول موضوع الجنس والنوع الاجتماعي في ست مدن في المشرق، جُمعت تحت عنوان “كافيه دو جونر” لمعرض “في بازار الجنس” في متحف المتوسط وأوروبا والحضارات في مرسيليا.
على مدار حياتها، نظّمت عدداً من الفعاليات البارزة. ففي عام 1992، انخرطت في إعادة بناء الأرشيف السينمائي اللبناني، فهرسة أكثر من 250 فيلماً تذكر بيروت ولبنان قبل الحرب وخلالها وبعدها. ونالت وسام فارس الفنون والآداب عن هذا العمل الجبّار الذي أنجزته في آنٍ مع مونتاج فيلمها “كان يا ما كان، بيروت”. ومن الأرشيفات ذاتها، نظّمت دورة العروض “بيروت، ألف صورة وصورة” في معهد العالم العربي عام 1993، التي قدّمت جميع الأفلام العربية المختارة للأرشيف السينمائي اللبناني. وفي عام 2013، أسّست المهرجان الدولي للمقاومة الثقافية الذي ترأسته وتولّت إدارته الفنية، مستخدمةً إياه لعرض أفلام آسيوية ومتوسطية تطرح من خلال حبكتها تساؤلات حول وضع بيروت المعاصرة وتاريخها، سينما تداوي جراح البلاد وتدفعنا للتفكير في إمكانية السلام والتعايش بين الطوائف. وامتد هذا المهرجان ليشمل كامل الأراضي اللبنانية.
في أواخر حياتها، أخرجت آخر سلسلة صور فوتوغرافية لها “دولار في اليوم”، وعدة أعمال فيديو فنية: “دولار في اليوم” و”بطاقة بريدية خيالية” عام 2016، و”اسمي ماي شيغينوبو” الذي صدر بعد وفاتها عام 2019. وفي سنواتها الأخيرة، كانت تعمل على وثائقي عن الحياة الخفية لماي شيغينوبو بعنوان “شيغينوبو، الأم والابنة”.