biography_map_title
biography_map_description
biography_hero_dates
مراسلة صحفية، مخرجة، فنانة، وفاعلة ثقافية
1970-197401
في أوائل 1970، دخلت جوسلين صعب عالم الصورة من خلال الصحافة. بعد أن درست الاقتصاد السياسي في بيروت وباريس، أصبحت صحفية في الإذاعة والتلفزيون اللبناني، ثم عملت كمراسلة حربية لصالح التلفزيون الفرنسي. وفي سياق إقليمي اتسم بالاستقلالات العربية، وصعود حركات المقاومة، والحرب الباردة، اعتمدت على العمل الصحفي كوسيلة لرصد التحولات العميقة التي كانت تجري في مختلف البلدان العربية.
بفضل إتقانها للغة العربية، أُرسلت جوسلين صعب من قبل المكتب الفرنسي للإذاعة والتلفزيون (ORTF) إلى مصر وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين لتغطية الصراعات والأزمات السياسية التي كانت تشهدها المنطقة، مثل حرب أكتوبر 1973. وقد شكّلت هذه التجربة فرصة لها لتصوير هذه الأحداث من منظور داخلي، مختلف عن التقارير الغربية التقليدية.
وخلال هذه الفترة تحديدًا، اختارت جوسلين صعب العمل على تماس مباشر مع الأوضاع والسكان الذين كانت تقترب منهم وتدرس تجاربهم. فمنذ تقاريرها الأولى، لم تكن تسعى فقط إلى نقل الأحداث الجارية، بل إلى فهم المسارات الإنسانية للأفراد الذين وجدوا أنفسهم وسط التحولات الكبرى التي طبعت التاريخ.

1970-197402
يتحوّل اهتمامها تدريجيًا نحو أولئك الذين تهمّشهم السرديات السائدة: اللاجئون، والمقاتلون، والنساء، والأطفال، والمدنيون. وهكذا، لم تكن الأحداث السياسية منفصلة أبدًا عن التجارب اليومية لأولئك الذين يعيشونها ويختبرون تبعاتها.
هذا النهج سيشكّل مجمل أعمالها الوثائقية: إذ منح صوتًا لأولئك الذين تم نسيانهم، ووثّق الآثار الملموسة للصراعات وعلاقات القوة، وربط القصص الفردية بذاكرة جماعية.
1970-197403
ابتداءً من 1973، اقتربت جوسلين صعب من حركات المقاومة الفلسطينية، وأنجزت تقارير مكرّسة لها، من بينها «الفلسطينيون مستمرون» (1973) و«النساء الفلسطينيات» (1974). وتشهد هذه الأفلام على انخراطها ضمن النضالات الأممية والتحررية التي كانت تبرز في مختلف أنحاء العالم، كما تعكس رغبتها في تجاوز التصورات المبسّطة للصراعات. فقد صوّرت المقاومة الفلسطينية بهدف تسليط الضوء على حيوات أفرادها، وتطلعاتهم، والتناقضات التي تكوّنها.
إذا كان فيلم «النساء الفلسطينيات» قد تعرّض للرقابة من قبل المكتب الفرنسي للإذاعة والتلفزيون (ORTF) ولم يُعرض أبدًا خلال حياة جوسلين صعب، فإن تقاريرها الأولى انتشرت بسرعة عبر شبكات التلفزيون الأوروبية، وغيّرت تدريجيًا علاقتها بالصورة والصحافة الإخبارية.
1975-198201
في مواجهة حدود الصحافة الإخبارية، بدأت جوسلين صعب تنظر إلى الفيلم الوثائقي باعتباره وسيلة للتساؤل حول تمثيل الأحداث وحياة الناس. وعندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، عادت لتصوير بلدها واختارت أن تصبح صحفية مستقلة. وأمام العنف والدمار وتوازنات القوى التي كانت تؤثر في وسائل الإعلام الدولية، ابتعدت تدريجيًا عن الصيغ التلفزيونية، مستخدمةً الصورة كفعل من أفعال الذاكرة والمقاومة.
من 1975 إلى 1982، أنجزت جوسلين صعب العديد من الأفلام التي تشهد على الكارثة والصراعات التي مزّقت لبنان خلال الحرب، من بينها «لبنان في مهب العاصفة» (1975)، و«جبهة الرفض» (1975)، و«الصليبيون الجدد في الشرق» (1975)، و«أطفال الحرب» (1976)، و«جنوب لبنان، تاريخ قرية محاصرة» (1976)، و«من أجل بعض الأرواح» (1976)، و«بيروت، أبدًا بعد الآن» (1976)، و«رسالة من بيروت» (1978).
كما تشهد هذه الأفلام على تحوّل علاقتها بالصورة وبالمونتاج، إذ أصبحت تسعى بشكل متزايد إلى البحث عن مظاهر الحياة في قلب الحرب.


1975-198202
خلال هذه الفترة نفسها، أكّدت جوسلين صعب التزامها تجاه المقاومة الفلسطينية وحركات التحرر التي كانت تتنظم في البلدان العربية وغيرها، من خلال إنجاز أفلام مثل *«مصر، مدينة الموتى» (1977)، الذي يتناول سكان القاهرة المتأثرين بتبعات العولمة والفقر؛ و**«الصحراء ليست للبيع» (1977)، الذي يسلّط الضوء على نضال الشعب الصحراوي من أجل استقلاله؛ و*«إيران، اليوتوبيا في مسارها» (1980)**، الذي صُوّر خلال الأشهر الأولى من الثورة الإيرانية.
تدعم كل هذه الأفلام تطلعات الشعوب إلى تقرير مصيرها وكرامتها، متجاوزةً الحدود، من خلال توثيق العواقب الإنسانية للصراعات في مناطق متعددة. وتوجّه جوسلين صعب نظرتها نحو المقاتلين، والنساء، واللاجئين، والأطفال، والمثقفين، وإلى ما تعرّضوا له من فقدان، وأفكارهم، وأحلامهم بالحرية. وهكذا، تقترح صور جوسلين صعب فضاءً لنقل الذاكرة يربط بين النضالات المحلية وتاريخ عالمي مشترك



1975-198203
وأخيرًا، في عام 1982، رافقت جوسلين صعب في فيلمها «قارب المنفى» الرحيل القسري لياسر عرفات والمقاتلين الفلسطينيين الذين غادروا بيروت عبر البحر، موثّقةً نهاية فصل من تاريخ فلسطين ولبنان. وبعد أسابيع قليلة، أنجزت فيلم «بيروت، مدينتي»، وهو عمل أكثر شخصية، حيث تتحول المدينة المدمّرة إلى مرآة لذاكرة مشوّهة، بل مدمّرة بالكامل.
يشكّل هذا العام نقطة تحوّل حقيقية في مسيرة جوسلين صعب، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحصار بيروت، وإجلاء منظمة التحرير الفلسطينية، ومجازر صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها الكتائب اللبنانية.
فأكثر من كونهما شهادتين عن الحرب، يستكشف هذان الفيلمان الوثائقيان اختفاء الأماكن، ومحو الذاكرة، والمنفى، وآثار الدمار في المشاهد الطبيعية كما في أجساد الناس. كما أنهما يعلنان تحوّل سينما جوسلين صعب نحو صور لم تعد تكتفي بتوثيق الأحداث، بل تسعى أيضًا إلى تمثيل وحفظ ما قد يهدّد التاريخ بإسكاته أو طمسه

1975-198204




198501
بعد عقدٍ كامل كرّسته لتوثيق الصراعات في لبنان وسوريا وليبيا وفلسطين وكردستان ومصر وإيران والصحراء الغربية، شعرت جوسلين صعب بالحاجة إلى تغيير علاقتها بالكاميرا. فقد أتاحت الصور الوثائقية التي راكمتها منذ عام 1975 الحفاظ على آثار تاريخٍ كان يُكتب في لحظته، لكنها اصطدمت أيضًا بحدودها الخاصة أمام التجارب الأكثر حميمية للحرب.
وبعد أن صوّرت الدمار والموت وأشكال المقاومة لما يقارب عشر سنوات، أرادت جوسلين صعب أن تروي ما يبقى بعد الحرب: المشاعر، والرغبات، والأحلام، والاندفاعات نحو الحرية.
تم تصوير أول فيلم روائي طويل لجوسلين صعب، «غزل البنات» (1985)، في بيروت، في وقت كان فيه البلد لا يزال متأثرًا بشكل عميق بالحرب الأهلية، وسط الأنقاض التي لم تكن مجرد ديكور مُعاد بناؤه، بل شهادةً على أرضٍ خاضعة للصراع.
وهكذا، لم تقطع جوسلين صعب علاقتها بالسينما الوثائقية، بل واصلت أسئلتها من خلال البحث عن شكل سينمائي قادر على التقاط الأبعاد الحسية والخيالية للتاريخ؛ شكلٍ يستطيع إعادة بناء الذاكرة عبر الصورة.


198502
من خلال مسار مراهقة تكتشف أشكال تحررها في بيروت المنقسمة، يعرض فيلم «غزل البنات» جيلًا وُلد مع الحرب، تتشكل مساراته وسط خطوط التماس، والمباني المدمّرة، والغيابات. وقد عُرض الفيلم ضمن أسبوعي المخرجين في مهرجان كان السينمائي عام 1985، وشكّل مرحلة حاسمة في الاعتراف الدولي بالعمل السينمائي لجوسلين صعب.
من خلال اختيار فتاة شابة كشخصية رئيسية، تواصل جوسلين صعب اهتمامها الذي لطالما أولته للطفولة في مواجهة الصراعات، بينما تفتح سينماها في الوقت نفسه على أسئلة جديدة مرتبطة بجسد المرأة. كما تواصل رفضها للتمثيلات البائسة للحرب، من خلال تصوير شباب يواصلون الحب والحلم رغم أشكال العنف التي تحيط بهم.
وانطلاقًا من وفائها لنظرتها الوثائقية، تحافظ على كاميرا متحركة تركز على الإيماءات والحضور الإنساني.



198503
مع «غزل البنات»، يواصل العمل الروائي التأمل في الآثار التي خلّفها التاريخ، وفي ما تبقّى من الحرب، وفي إمكانات نقل الذاكرة التي تمنحها السينما. لم تعد بيروت في هذا الفيلم مجرد مسرح للأحداث، بل أصبحت شخصيةً حقيقية بحد ذاتها، تعبرها الذكريات والجراح وتطلعات أولئك الذين يسكنونها.
يُجسّد هذا الفيلم تجدد اللغة السينمائية لجوسلين صعب، التي ستتخذ تدريجيًا موقعًا عند الحدود الفاصلة بين الوثائقي، والخيال الروائي، والمقالة البصرية، انطلاقًا من قناعة رافقتها حتى نهاية حياتها: أن بعض حقائق الحرب لا يمكن نقلها إلا من خلال الخيال، لأن الصور لا تقتصر على توثيق الأحداث، بل تسهم أيضًا في الحفاظ على ما يقاوم النسيان في مواجهة التاريخ.

198504



1986-198901
يشكّل عودة جوسلين صعب إلى مصر عام 1986، بعد سبع سنوات من منعها من الإقامة فيها، بداية مرحلة جديدة في مسيرتها. فهذه المرة، لم تعد نظرتها منصبّة على إلحاح الأحداث، بل على ما يشكّل النسيج العميق للمجتمع: نقل المعتقدات، والمعارف، والممارسات الشعبية، والهندسة المعمارية، والموروثات الثقافية، والذكريات الجماعية.
وتجسّد السلسلة الوثائقية «مصر… مصر؟»، التي طلبتها قناة Antenne 2، هذا التحوّل في مسارها. إذ تعتمد جوسلين صعب فيها مقاربة حسّية للتاريخ من خلال الأماكن، والإيماءات، والمجتمعات التي تواصل تشكيل ملامح مصر المعاصرة.
تتكوّن هذه السلسلة من الأفلام الوثائقية «الأقباط: صليب الفراعنة»، و«أشباح الإسكندرية»، و«حبّ الله»، و«مهندس الأقصر»، وتقدّم استكشافًا للجغرافيا الثقافية لمصر. إذ يسلّط كل فيلم الضوء على هوية، أو منطقة، أو طريقة في السكن والتفاعل مع العالم، من خلال سلسلة من اللقاءات والمسارات الإنسانية.
وهكذا، تكشف جوسلين صعب عن مصر التي تتقاطع فيها الحركات المتوسطية، والتراثات القديمة، والتقاليد الشعبية، والتحولات المعاصرة، والتي تتجسّد في الأشخاص، والمدن، والمباني، والممارسات الاجتماعية.


1986-198902
تكشف الأفلام الأربعة عن واقعيات نادرًا ما جرى تمثيلها في المجال السمعي البصري المصري خلال ثمانينيات القرن العشرين. يمنح فيلم «الأقباط» الكلمة لأقدم جماعة مسيحية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا (SWANA)، ويعيد إبراز غنى طقوسها وتراثها ومكانتها ضمن التاريخ المصري.
أما «أشباح الإسكندرية» فيتتبع آثار مدينة كوزموبوليتية لا تزال ذاكرتها منقوشة في أحيائها وأشكالها وحكاياتها. في حين يهتم فيلم «حبّ الله»بالمكانة المتزايدة للدين في الفضاء العام وأنماط الحياة، بعد التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر خلال سبعينيات القرن العشرين.
في فيلم «مهندس الأقصر»، ترافق جوسلين صعب حسن فتحي، أحد أبرز رموز العمارة المصرية في القرن العشرين، والملقّب بـ «مهندس الفقراء». إذ يتقاطع عمله القائم على استخدام المواد المحلية، والتقنيات التقليدية، وابتكار عمارة تستجيب لحاجات السكان، مع اهتمام المخرجة بأشكال الإبداع المتجذّرة في بيئاتها ومجتمعاتها.
ومن خلال هذه الأفلام الوثائقية الأربعة، تُظهر جوسلين صعب أن الحداثة يمكن أن تنبثق من حوار بين التراثات الحيّة والابتكارات، حيث تتطور أشكال أخرى من الإبداع خارج النماذج الثقافية السائدة



1986-198903
تواصل جوسلين صعب هذا الاستكشاف للممارسات الثقافية المصرية من خلال إنجاز فيلم «العوالم، الراقصات الشرقيات» عام 1989. وبدلًا من تصوير الرقص الشرقي باعتباره عرضًا موجّهًا لنظرة غربية، تهتم بالنساء اللواتي يمارسن هذا الفن، وبمساراتهن، وتكوينهن، وظروف عملهن، والمكانة التي يحتللنها داخل المجتمع المصري.
فالتدريبات، والنقاشات، والحركات التقنية، وفضاءات العرض تحمل قدرًا من المعنى لا يقل عن العروض نفسها، لتُظهر الرقص بوصفه ممارسة مهنية تتطلب مهارة كبيرة، ولغة ثقافية وفنية حقيقية.
في هذا الفيلم الوثائقي، يعبّر الجسد عن معرفة، وانضباط، وذاكرة حركية، وتاريخ جماعي تنقله النساء اللواتي يحملن هذا الفن. وهكذا، تتساءل جوسلين صعب عن الطريقة التي تُهمَّش بها بعض الممارسات أو يُنظر إليها باحتقار، بينما تكشف في الوقت نفسه عن دورها الأساسي داخل التراث الثقافي المصري.
ويُمهّد هذا الاهتمام بالتعبيرات الفنية الشعبية للأبحاث التي ستطوّرها لاحقًا حول الجسد الأنثوي في فيلم «دنيا» (2005).

1986-198904



1988-199501
في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وبينما وضعت اتفاقية الطائف حدًّا لخمس عشرة سنة من الحرب الأهلية في لبنان، غيّرت جوسلين صعب مرة أخرى زاوية نظرها نحو امتدادات الصراعات: الذكريات المتعارضة، والجراح، والتحولات الاجتماعية، والروايات التي تتشكّل بعد انتهاء النزاعات.
وهكذا، تمثّل هذه المرحلة تطورًا مهمًا في عملها، إذ لم تعد تسعى فقط إلى الشهادة على تاريخٍ يتشكّل في لحظته، بل إلى فهم كيفية استمرار هذا التاريخ في السكن داخل الأفراد، والأجساد، والمخيّلات، عندما لا تكون إعادة الإعمار مجرّد ورشة مادية.
أُنجز الفيلم الوثائقي «القاتلة» عام 1988، وهو يرسم صورة لجوسلين خويري، الشخصية السابقة في الميليشيات الكتائبية المسيحية، والتي شاركت في عدة عمليات مسلّحة خلال الحرب الأهلية قبل أن تنسحب من الحياة السياسية لتؤسس جماعة دينية.
وبدلًا من إعادة بناء مسارها العسكري، تتساءل جوسلين صعب عن تناقضات امرأة تواجه ماضيها، ومعتقداتها، وندمها. ومن خلال منحها الكلمة لشخصية نادرًا ما تم تمثيلها في السينما اللبنانية، تُظهر المخرجة أن إعادة بناء البلاد تفترض أيضًا مواجهة تعقيد الذكريات الفردية.


1988-199502
في عام 1991، واصلت جوسلين صعب توسيع آفاق سينماها من خلال إنجاز فيلم «الإخصاب بالفيديو». يواكب الفيلم الوثائقي التطورات الأولى في مجال المساعدة الطبية على الإنجاب، ويتناول التحولات العلمية والطبية والأخلاقية التي رافقت ظهور هذه التقنيات الجديدة.
ويمنح الفيلم الكلمة للأطباء، والباحثين، والأزواج الذين يخوضون هذه التجارب، كاشفًا عن الآمال والأسئلة التي أثارتها تكنولوجيا تعيد تعريف العلاقة بالجسد، والأبوة والأمومة، والكائن الحي.
إذا كان فيلم «الإخصاب بالفيديو» يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن أفلامها الوثائقية الأولى، فإن جوسلين صعب تظل مهتمة بالتحولات التي تعبر المجتمعات. فبعد أن صوّرت العواقب الإنسانية للصراعات، أصبحت تراقب أشكالًا أخرى من التغيّرات التي تعيد تشكيل حياة الأفراد، مؤكدةً بذلك التوسّع التدريجي لمجال ملاحظتها خارج حدود مناطق الحرب.



1988-199503
في أعقاب الحرب، لم تعد جوسلين صعب تكتفي بإخراج الأفلام، بل شرعت أيضًا في الحفاظ على الصور التي تروي تاريخ لبنان. وبينما كانت تُحضّر لفيلمها الروائي الطويل القادم، بدأت عملًا واسعًا من البحث والتحقيق مكرّسًا للأفلام التي صُوّرت في العاصمة منذ بدايات السينما.
وقد أدى هذا العمل إلى إعداد أول فهرس يضم أكثر من 250 فيلمًا، وأطلق مشروع إعادة بناء السينماتيك اللبنانية، التي تأسست عام 1961 ثم توقّفت بسبب الحرب. وهكذا، قُدّمت عملية حفظ الأفلام والأرشيفات، وتداولها، ونقلها للأجيال القادمة، باعتبارها شروطًا أساسية لإعادة الإعمار الثقافي في لبنان.
قدّمت جوسلين صعب جزءًا من هذا البحث عام 1993 تحت عنوان «بيروت، ألف صورة وصورة» في السينماتيك الفرنسية، ثم في قصر طوكيو، وبعدها في معهد العالم العربي. ويجمع هذا البرنامج حوالي خمسين فيلمًا لبنانيًا وعربيًا ودوليًا، تُظهر التمثيلات المتعددة لبيروت خلال القرن العشرين، وهي تمثيلات قد تبدو متناقضة أحيانًا، لكنها تظل متكاملة.
ثم أنجزت عام 1994 فيلم «كان يا ما كان بيروت، حكاية نجمة». يتتبع الفيلم شابتين تجوبان بيروت بحثًا عن صور مدينتهما، ويقدّم السينما باعتبارها أداة قادرة على الحفاظ على روايات تميل الذاكرة الرسمية للتاريخ إلى محوها.

1988-199504


199701
في عام 1997، أنجزت جوسلين صعب فيلم «سيدة سايغون»، وهو فيلم وثائقي عُرض على قناة France 2 في يوليو 1997، استجابةً لطلب مخصّص حول فيتنام المعاصرة.
وقد عُرض الفيلم في العام نفسه ضمن الدورة العامة للفيلم الوثائقي في لوساس، ثم حصل لاحقًا على جائزة أفضل فيلم وثائقي فرنسي التي تمنحها لجنة السمعي البصري في مجلس الشيوخ، قبل أن ينال جائزة لورييه من نادي السمعي البصري (باريس) عام 1998.
في مذكرة النوايا الخاصة بها، توضّح جوسلين صعب أن مشروعها الأول كان يتمثل في تصوير فيتنام، البلد الذي ترك تاريخه أثرًا عميقًا في جيلها. لكن مسار التصوير اتخذ اتجاهًا آخر عندما التقت بالدكتورة نغوين ثي بينه هوا: «لم تعد فيتنام هي ما يهمّني، بل هذه المرأة وقصتها داخل التاريخ».
وأصبح هذا التحوّل في وجهة النظر مبدأ الفيلم الأساسي: فبدلًا من تقديم سرد عام عن البلد، يتناول فيلم «سيدة سايغون» التاريخ من خلال مسار إنساني فردي.


199702
كانت الدكتورة هوا، وهي مقاومة سابقة وطبيبة وشخصية معروفة في فيتنام، قد كرّست حياتها للنضال من أجل استقلال بلدها، قبل أن تواصل التزامها في مجالي الصحة والثقافة. ويتتبع الفيلم الوثائقي مسيرتها من خلال ذكرياتها، ونشاطها اليومي، والأماكن التي طبعت حياتها.
وتبني جوسلين صعب هنا، ليس بقدر ما تقدّم سيرة ذاتية، بل صورة شخصية تتيح من خلالها التجربة الفردية إلقاء الضوء على التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها البلد
تكشف مذكرة النوايا أيضًا عن الأهمية التي توليها جوسلين صعب للبعد الحميمي في السرد. فهي تستكشف العلاقة بين هوا وزوجها نغي، وسنوات الفراق التي عاشاها خلال الحرب، وفقدان طفلهما، والطريقة التي أسهمت بها هذه المحن في تشكيل التزامهما.
وهكذا، تقدّم جوسلين صعب مقاربة متجددة للصورة الشخصية في الفيلم الوثائقي، من خلال نسج التاريخ السياسي مع الروايات الشخصية



199703
من خلال مسار الدكتورة هوا، لا يعود فيلم «سيدة سايغون» إلى المراحل الكبرى لحرب فيتنام، بل يركّز بالأحرى على ما بقي منها في حياة إنسان، وعلى الالتزامات والذكريات التي تحملها. تستبدل جوسلين صعب السرد التاريخي بذاكرة متجسّدة، تتشكّل من خلال كلمات شخصيتها الرئيسية، وإيماءاتها، وتجاربها.
ويُميّز هذا الاهتمام بالمسارات الفردية عددًا من أفلامها ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين، حيث تصبح الشهادة وسيلة لنقل التاريخ دون تجميده أو حصر معانيه.
تستعيد جوسلين صعب في هذا الفيلم أيضًا أحد الالتزامات الأساسية التي طبعت مسيرتها السينمائية: الدفاع عن حركات التحرر وعن الأشخاص الذين يحملون هذه النضالات. لكن بعد ما يقارب عشرين عامًا من أفلامها الوثائقية الأولى التي تناولت لبنان وفلسطين ومصر وإيران والصحراء الغربية، تغيّرت زاوية نظرها.
فقد اختارت الصورة الشخصية كوسيلة لالتقاط التاريخ، وكذلك كوسيلة للاقتراب من التجارب النسائية التي تشكّل جزءًا من مساره

199704



200501
بعد عدة سنوات كرّستها للسينما الوثائقية، عادت جوسلين صعب إلى الفيلم الروائي من خلال «دنيا، لا تقبّلني على عينيّ». وقد جاء سيناريو الفيلم ثمرة سنوات من البحث والتحقيق، أُنجزت بالتعاون مع فرق مصرية مختلفة، ولا سيما حول موضوع الحياة الجنسية لدى الشباب.
وبدعم من البرنامج الأوروبي MEDIA، بدأ المشروع يتشكّل ضمن عدة ورشات جمعت نقادًا، وكتّاب سيناريو، وروائيين، وممثلين مصريين. وقد سمحت هذه الكتابة الجماعية بصقل سرد قادر على تناول، حسب تعبيرها في بيان المخرجة، «موضوع لا يزال من المحرّمات، وهو الجنس»، مع الحفاظ على أن يكون «متاحًا للجمهور الواسع، من دون أن يصطدم بالعقليات».
وهكذا، أصبح الفيلم الروائي وسيلة للتعبير عن «نظرة امرأة عربية» إلى المجتمع المصري المعاصر.
قبل بدء تصويره، واجه فيلم «دنيا» عدة رفضات من لجنة الرقابة المصرية. ففي عام 2003، اعتبرت السلطات أن السيناريو «يسيء إلى مصر والإسلام»، و«يشجّع على الانحلال»، ويتناول موضوعًا اعتُبر حساسًا، وهو الختان.
ودافعت جوسلين صعب حينها عن أن «الختان ليس سوى ذريعة درامية»، وأن فيلمها لا يهدف إلى شنّ حملة، بل إلى طرح تساؤلات أوسع حول الحرية، والرغبة، ومكانة المرأة في مجتمع يشهد تحولات.
وبعد تقديم طعن أمام لجنة الاستئناف، حصل المشروع أخيرًا على ترخيص التصوير، وجمع طاقمًا تمثيليًا بارزًا، من بينهم حنان ترك، ومحمد منير، وأحمد زكي، إلى جانب إنتاج مشترك بين فرنسا ومصر ولبنان.


200502
دنيا هي شابة مصرية تدرس في القاهرة، تقسم حياتها اليومية بين الجامعة، حيث تدرس الشعر الصوفي، والرقص الشرقي الذي تحلم بأن تجعله مهنتها. وفي بيان المخرجة، توضّح جوسلين صعب أن لقاء دنيا ببشار، أستاذها الذي فقد بصره، يندرج ضمن الفضاء نفسه الذي يشكّل محور اهتمامها: فضاء الشعر الصوفي العاطفي.
وترافق علاقتهما مسارًا تحرريًا لامرأة شابة تسعى إلى استعادة علاقتها بجسدها، ورغباتها، وحريتها. وهكذا، لا تمثّل القصيدة، والرقص، والحسّية مجرّد موضوعات، بل تصبح لغات سينمائية تعبّر من خلالها المخرجة عن تساؤلها حول تحرّر المرأة
تدور حول دنيا عدة شخصيات نسائية — عنايات، وأروى، وجمالات — تجسّد كل واحدة منها تجربة مختلفة من تجارب وضع المرأة في مصر. فالسائقة الوحيدة لسيارة الأجرة، والأكاديمية اليسارية، والعاشقة، تنقل كل منهن إلى دنيا طريقة للتعامل مع الموروثات الاجتماعية، والتطلعات الفردية، والتحولات المجتمعية.
ويمرّ موضوع الختان عبر حكاياتهن، لكن جوسلين صعب تقود تفكيرًا أوسع حول «حرية الجسد»، التي تعتبرها «الحرية الأكثر بداهة». وهكذا، تواصل أبحاثها التي بدأتها منذ ثمانينيات القرن العشرين حول الجسد الأنثوي، والممارسات الفنية، والمعارف الشعبية



200503
قبل عرضه في دور السينما الفرنسية في سبتمبر 2006، حقق فيلم «دنيا» حضورًا دوليًا بارزًا. فبعد فوزه عام 2003 بجائزة SOPADIN عن سيناريو الفيلم، عُرض ضمن المسابقة الرسمية عام 2005 في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (في عرضه العالمي الأول)، كما شارك في مهرجان مونتريال لأفلام العالم.
وفي عام 2006، واصل الفيلم رحلته الدولية بمشاركته في مهرجان صاندانس، ومهرجان فريبورغ السينمائي الدولي، ومهرجان سنغافورة السينمائي الدولي، ومهرجان ميلانو السينمائي الدولي، ومهرجان الغارف، والمهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان (سويسرا)، إضافةً إلى أيام قرطاج السينمائية.
اتّسم استقبال فيلم «دنيا» في مصر بجدل واسع. فقد تعرّض لانتقادات حادة خلال عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي، ثم أُلغي لاحقًا موعد طرحه التجاري في دور السينما.
ومن أجل إتاحة عرض الفيلم، رضخت جوسلين صعب لمطالب السلطات المصرية التي اشترطت حذف مشهد يتناول ختان الإناث. وسعيًا منها إلى «فتح الطريق أمام الشباب» عبر منح مساحة لقضايا ظلّ الحديث عنها مسكوتًا عنه لفترة طويلة، أطلقت حملتها الخاصة في شوارع القاهرة، حيث وزّعت منشورات، وخاطبت المارة، ودعت الجمهور إلى مشاهدة الفيلم قائلةً: «شاهدوا دنيا، ثم احكموا عليّ.»

200504



biography_map_description